الغزالي
12
إحياء علوم الدين
بيان فضيلة الخوف والترغيب فيه اعلم أن فضل الخوف تارة يعرف بالتأمل والاعتبار ، وتارة بالآيات والأخبار أما الاعتبار فسبيله أن فضيلة الشيء بقدر غنائه في الإفضاء إلى سعادة لقاء الله تعالى في الآخرة . إذ لا مقصود سوى السعادة ، ولا سعادة للعبد إلا في لقاء مولاه والقرب منه . فكل ما أعان عليه فله فضيلة ، وفضيلته بقدر غايته . وقد ظهر أنه لا وصول إلى سعادة لقاء الله في الآخرة إلا بتحصيل محبته ، والأنس به في الدنيا . ولا تحصيل المحبة إلا بالمعرفة . ولا تحصل المعرفة إلا بدوام الفكر . ولا يحصل الأنس إلا بالمحبة ودوام الذكر . ولا تتيسر المواظبة على الذكر والفكر إلا بانقطاع حب الدنيا من القلب ولا ينقطع ذاك إلا بترك لذات الدنيا وشهواتها . ولا يمكن ترك المشتهيات إلا بقمع الشهوات . ولا تنقمع الشهوة بشيء كما تنقمع بنار الخوف . فالخوف هو النار المحرقة للشهوات ، فإن فضيلته بقدر ما يحرق من الشهوات ، وبقدر ما يكف عن المعاصي ويحث على الطاعات ، ويختلف ذلك باختلاف درجات الخوف كما سبق . وكيف لا يكون الخوف ذا فضيلة وبه تحصل العفة ، والورع ، والتقوى ، والمجاهدة ، وهي الأعمال الفاضلة المحمودة التي تقرب إلى الله زلفى . وأما بطريق الاقتباس من الآيات والأخبار ، فما ورد في فضيلة الخوف خارج عن الحصر ، وناهيك دلالة على فضيلته جمع الله تعالى للخائفين الهدى ، والرحمة ، والعلم ، والرضوان ، وهي مجامع مقامات أهل الجنان . قال الله تعالى * ( هُدىً ورَحْمَةٌ لِلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ « 1 » ) * وقال تعالى * ( إِنَّما يَخْشَى الله من عِبادِه ِ الْعُلَماءُ « 2 » ) * وصفهم بالعلم لخشيتهم . وقال عز وجل * ( رَضِيَ الله عَنْهُمْ ورَضُوا عَنْه ُ ذلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّه ُ « 3 » ) * . وكل ما دل على فضيلة العلم دل على فضيلة الخوف ، لأن الخوف ثمرة العلم . ولذلك جاء في خبر موسى عليه أفضل الصلاة والسلام ، وأما الخائفون فإن لهم الرفيق الأعلى لا يشاركون فيه . فانظر كيف أفردهم بمرافقة الرفيق الأعلى ، وذلك لأنهم العلماء والعلماء لهم رتبة مرافقة الأنبياء ، لأنهم ورثة الأنبياء ومرافقة الرفيق الأعلى للأنبياء ومن يلحق بهم
--> « 1 » الأعراف : 154 « 2 » فاطر : 28 « 3 » البينة : 8